في خيمةٍ تفتقر لأبسط مقومات الحياة غرب مدينة الزوايدة وسط قطاع غزة، تتشكل ملامح حكاية طفلٍ لم يعرف من طفولته سوى الألم وأسرّة المستشفيات الطويلة. نضال أبو ربيع، الذي لم يتجاوز عامه الثاني، يواجه أمراضًا قاسية بجسدٍ صغير أنهكه المرض مبكرًا، في حين تحاول والدته إيمان حمدونة (29 عامًا) أن تسنده بقلبها قبل ذراعيها، في رحلةٍ مثقلة بواقعٍ صحي منهار وحصارٍ يضيّق فرص النجاة.
وُلد نضال في أجواء الحرب ليكون الابن الأول لإيمان وتجربتها الأولى مع الأمومة. تقول والدته لصحيفة "فلسطين" بصوتٍ يختلط فيه التعب بالقلق: "أنجبته وسط القصف والخوف، كنت أحلم فقط أن أراه يكبر بصحةٍ جيدة، ولم أتخيل أن تبدأ معاناته وهو رضيع".
بعد أسبوعٍ واحد من ولادته، حاولت إيمان التوجه لتطعيمه وفق البروتوكول المعتمد في وزارة الصحة، إلا أن أوضاع شمال قطاع غزة والحصار حالا دون ذلك.
وتضيف بحسرة: "قال لي الأطباء إن الإبرة سيأخذها عند إتمام عامه الأول، لكن عندما أتم العام لم تكن متوفرة أصلًا".

ولم تمضِ أشهرٌ طويلة حتى بدأت أعراض المرض بالظهور. فعند بلوغه أربعة عشر شهرًا أُصيب بارتفاعٍ شديد في الحرارة والتهاباتٍ حادة في الصدر، ليخضع لسلسلة فحوصات كشفت إصابته بفقر دم من نوع الثلاسيميا مع انخفاضٍ خطير في نسبة الدم. وتتابع والدته: "كنت أسمع عن فقر الدم، لكن لم أتصور أن طفلًا بهذا العمر قد يصل إلى هذه المرحلة".
ومع تكرار الالتهابات الصدرية، لاحظ الأطباء انتفاخًا غير طبيعي في بطنه، لتكشف الفحوصات عن تضخمٍ في الطحال. بلغ حجمه في البداية 11 سنتيمترًا، ثم ارتفع إلى 14، واليوم وصل إلى 16 سنتيمترًا، فيما بلغ حجم الكبد 8 سنتيمترات، وسط مخاوف طبية من مضاعفاتٍ محتملة تشمل مشكلاتٍ قلبية وضعفًا شديدًا في المناعة.
ولا يستطيع نضال تناول الطعام بشكلٍ طبيعي، إذ يسبب امتلاء معدته نقصًا في الأكسجين، ما يضطر والدته لإطعامه على جرعاتٍ صغيرة ومتقطعة. تقول إيمان: "أراقب أنفاسه أكثر مما أراقب لقماته، أخاف أن يختنق أو يتعب أمامي".
وتصف تجربتها بمرارة: "هو طفلي الأول… بدل أن أفرح بخطواته وكلماته، أفرح فقط عندما تمر ليلة دون تعبٍ شديد".

وتؤكد أن ما يمر به ليس نتيجة إهمال، بل ثمرة واقعٍ صحي قاسٍ يطاول آلاف العائلات في غزة.
تقضي إيمان معظم أيامها في المستشفيات برفقة نضال وشقيقته الرضيعة التي لم تتجاوز شهرها الأول وتعاني ارتفاعًا في كريات الدم البيضاء، بينما تعيش العائلة في خيمةٍ بعد فقدان منزلها في بيت لاهيا. وتصف الخيمة بأنها "بيئة خصبة للأمراض والعدوى… لا تقي حرًا ولا بردًا، ولا توفر الحد الأدنى من شروط الحياة الصحية لطفلين مريضين".
ومنذ تسعة أشهر تنتظر العائلة بارقة أمل بعد صدور تحويلة علاجية لنضال خارج القطاع، إلا أن الانتظار طال ومعه تفاقم الألم. تقول والدته: "كل يومٍ يمر أشعر أن صحته تضعف أكثر… أنتظر فقط أن يسافر للعلاج، أن يعود طفلًا طبيعيًا يلعب ويضحك بدل أن يقضي أيامه على سرير المستشفى".
لم يختر نضال أن يولد في زمن الحرب أو أن يُحرم من التطعيم والعلاج، لكنه اليوم يدفع ثمن واقعٍ يفوق قدرة جسده الصغير. وبين أوتاد الخيمة وأروقة المستشفى، تقف والدته وحيدةً تقاوم الانتظار، على أمل أن يأتي يومٌ يحمل فيه طفلها لعبته… لا ملفه الطبي.


